كيف يتصرف رئيس الوزراء ؟ : وزير للبيع

الخرطوم : ون كليك نيوز
تخيل عزيزي القارئ، أن مسؤولاً رفيع المستوى، صاحب مفاتيح القرار في الدولة، يعلن للعالم أنه يبحث عن وظيفة إضافية لتحسين دخله. ضجّت المجالس السودانية ومواقع التواصل بهذا الإعلان، وكأن السخرية والمأساة اجتمعتا في تغريدة . لا حاجة لذكر الاسم، فكل سوداني يعرف الوزير صاحب التغريدة، التي عكست واقعًا مخزيًا وهشاشة دولة عاجزة أمام العوز والفقر، وانعكست كذلك على المعاناة اليومية للمواطن البسيط.
قد تبدو الخطوة فردية، لكنها في العمق مؤشر سياسي واضح: حين يتقاطع ضعف الراتب مع السلطة والنفوذ، تُفتح أبواب الفساد والابتزاز، ويصبح كل مسؤول، مهما علا شأنه، عرضةً للشبكات التي تعرف كيف تستثمر لحظات الحاجة. فالوظيفة الحكومية ليست مجرد منصب، بل هي نقطة التقاء بين السلطة وأمن المعلومات والنفوذ، وعندما تتسلل الحاجة إلى شاغلها، فإنها تتحول إلى عاملٍ مهددٍ لمسار الحكم كله.
الوزير صاحب التغريدة لم يترك لرئيس الوزراء أي خيار آخر سوى إعفائه من منصبه، إذ جعل الإعلان نفسه ضغطًا مباشرًا لا يمكن تجاهله، فحبسه في الوظيفة يمنعه من تحسين وضعه المالي، وربما يضعه أيضًا تحت ابتزاز محتمل، ويكشف هشاشة التوازن بين المسؤولين في الدولة. بهذا الشكل يتحول موقف فرد واحد إلى أداة ضغط على أعلى مستويات السلطة، ويضع النظام أمام اختبار حقيقي لاستقلالية القرار وإدارة الأزمات، ويكشف كيف يمكن لحدث فردي أن يعيد ترتيب أولويات الدولة.
الشبكات غير الرسمية التي قد تنشط في هذا الفضاء لا تعمل بالرشوة المباشرة، بل عبر آليات أكثر نعومة وخطورة: عرض فرص استشارية، تسهيلات، وشراكات، أو حتى علاقات إجتماعية تبدو بريئة على السطح.
ومع كل خطوة، يضيق هامش الاستقلال، ويتحوّل القرار العام تدريجياً إلى ساحة تتنازعها اعتبارات غير معلنة، فتتآكل نزاهة الحكم دون أن يشعر المسؤول. ومع ضعف الرقابة المؤسسية وتآكل البنى الاقتصادية، يصبح خطر الابتزاز السياسي والوظيفي واقعاً قائماً، لا احتمالاً نظرياً، إذ يمكن للضغط الخارجي أو الداخلي أن يعيد صياغة موازين القوة بهدوء، مستغلاً حاجات المسؤولين المادية للحد الأدنى من العيش الكريم.
هذه الظاهرة لا تقتصر على تضارب المصالح، بل تمس جوهر الدولة. فالمسؤول الذي يُدير شؤونها من موقعه التنفيذي، إذا لم تُؤمن له الدولة الحد الأدنى من الكفاية المالية، يصبح غير قادر على اتخاذ قرارات مستقلة، ويصبح القرار نفسه رهين ضغط الحاجة أو التبعية للشبكات الانتهازية.
وهنا يتجلى التناقض الأساسي: الدولة تسعى لحماية نفسها من الفساد والتأثير الخارجي، لكنها في ذات الوقت تترك قمة السلطة معرضة للاستغلال، ليس عن ضعف شخصية المسؤول، بل عن ضعف الدولة.
التغريدة إذن انعكاس لمعركة يومية تعيشها الحكومة : بين الطموح والسيادة، وبين القدرة على التنفيذ والواقع الاقتصادي المتآكل. فهي تضعنا أمام الفجوة التقليدية بين خطاب التخطيط والطموح من جهة، وبين أرض الواقع التي يفرضها الاقتصاد المتهالك والحرب المستمرة من جهة أخرى.
الأخطر من ذلك أن هذه الحالة لا تُنتج فساداً تقليدياً، بل تُنتج هشاشة سياسية. فالمسؤول الذي يُدار من خارج مؤسسته، أو الذي يوازن بين إلتزامه العام وحاجته الخاصة، يفقد تدريجياً القدرة على اتخاذ قرار مستقل. وهنا، يمسّ الضرر فكرة الدولة باعتبارها كياناً يمتلك قراره.
ومع ذلك فإن مقاربة هذه الظاهرة من زاوية أخلاقية فقط تظل قاصرة. فالمسؤول، في نهاية المطاف، جزء من منظومة. وإذا كانت هذه المنظومة لا توفّر الحد الأدنى من الكفاية، فإنها – بصورة غير مباشرة – تدفعه نحو هذه المناطق الرمادية. لذلك، فإن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية الانزلاق، دون معالجة الجذر الاقتصادي، يشبه معالجة الأعراض وترك المرض.
ومن هنا تتسع النظرة: ما يحدث على مستوى الوزير يعكس ما يحدث على مستوى كل موظف في الدولة، من الخفير إلى المدير ، ومن العامل اليومي إلى موظف الخدمة المدنية. فحين لا توفر الدولة الكفاية لموظفيها من أعلى السلم الوظيفي إلى أدناه ، يصبح الجميع مشروعاً للارتهان والابتزاز.
وهنا يفرض السؤال كيف يمكن للطبقات الدنيا أن تصمد أو تحافظ على نزاهة عملها؟ وكيف تُدار الدولة في زمن هشاشة الرواتب وتآكل الموارد؟ إنها مسألة تتجاوز الأفراد لتصل إلى صميم التحدي الحكومي .
بحسب وجه الحقيقة فإن الاستقلال المالي للمسؤول جزء لا يتجزأ من استقلاله الإداري، وهو شرط ضروري لنزاهة المنصب العام. فإذا لم يُؤمن هذا الاستقلال، فإن كل نافذة مفتوحة للرزق خارج نطاق الوظيفة الرسمية، مهما بدت محدودة أو بريئة، تصبح مجالاً محتملاً للضغط، وللاستغلال، ولإعادة تشكيل القرار وفق مصالح خارجية. فالوسطاء والسماسرة الذين يقرأون لحظات الضعف يعرفون جيداً كيف يحولون الحاجة إلى نفوذ، وكيف يبنون علاقات إجتماعية على حساب استقلال القرار.
(وجه الحقيقة – إبراهيم شقلاوي) .



