نائب البشير يرفض تشكيل المجلس التشريعي

الخرطوم : ون كليك نيوز
كلما انتقدت الملعب السياسي السوداني، ثار البعض واعتبروا ما أفعله نوعًا من تكسير مجاذيف القوى المدنية.. رغم أنني أقصد كامل المشهد السياسي بكل ألوان طيفه، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. اليوم أقدم لكم هذا المثال الحي على ضعف “الفكر السياسي” السوداني لدى الأحزاب والساسة.
السيد محمد عثمان يوسف كبر، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني، وشغل في الماضي خلال عهد الإنقاذ مناصب مهمة، على رأسها والي شمال دارفور ثم نائب رئيس الجمهورية، هو واحد من أبرز الساسة المشهود لهم بالتأثير وصراحة القول والفعل.
أجرت معه الزميلة الأستاذة صباح موسى حوارًا في صحيفة “المحقق”، وسألته عن رأيه في تشكيل المجلس التشريعي “البرلمان”. قال عثمان كبر: «إن تشكيل مجلس تشريعي في الوقت الراهن سيؤدي إلى إثارة الجدل والانقسام، خصوصًا أن اختياره سيتم بالتعيين، الأمر الذي قد يثير اعتراضات شعبية ويؤثر سلبًا على التماسك الاجتماعي».وأضاف: «المصلحة الكلية للبلاد تقتضي تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب».وقال أيضًا: «من الممكن أن يقع الجهاز التنفيذي في هفوات دون رقابة، إلا أن هذه الهفوات ستكون أقل ضررًا من وجود هذا المجلس».
خلاصة القول عند احد الساسة البارزين في المشهد السوداني: لا داعي لتشكيل المجلس التشريعي حاليًا، ليس لعدم أهمية دوره، بل لأن القوى السياسية ستختلف عليه، فيؤدي ذلك إلى إضعاف السند الشعبي للدولة في لحظة تحتاج فيها إلى تعاضد يحسم المعركة. “هفوات” الجهاز التنفيذي -في رأي كبر- أخف ضررًا من وجود البرلمان.
ولا أريد هنا مناقشة جدوى وجود المجلس التشريعي ولو بالتعيين.. فقد سبق لي أكثر من مرة أن بيّنت رأيي.. لكنني أنظر إلى الصورة التي رسمها السياسي الكبير كبر، والتي تدلل على أن الساسة يعتبرون البرلمان مجرد جمعية أو هيئة قابلة للأخذ والرد، مثل مجلس الآباء في مدرسة ابتدائية. فالبرلمان من أركان الدولة الأساسية، يُشبه الأعمدة التي تقوم عليها عمارة كبيرة.. إن كُسرت هذه الأعمدة انهار البنيان. فكيف يتصور سياسي أن وجود/غياب هذه السلطة أمر تكميلي لا يؤثر على بقاء الدولة وأداء وظائفها الحيوية؟
كتبت كثيرًا أن الممارسة السياسية في بلادنا لا تقوم على فكر بنّاء، أي القدرة على بناء أنموذج الدولة بالصورة التي تحقق أعلى معايير الجودة والكفاءة، مهما كانت التحديات والحاجة الماسة إلى استنباط حلول وأفكار خارج الصندوق.
دون الحاجة لمناقشة السيد عثمان كبر في تشخيصه للمشكلة واستنتاجه بعدم جدوى تشكيل البرلمان، بل وكونه يؤدي إلى انقسامات تضعف الدولة السودانية.. وحتى لو سلمنا بمنطقه، فإن الذي كنا نأمله أن يصبح التحدي دافعًا للساسة كي يتغلبوا عليه.. لا أن يقروا به ويثبتوه، وبناءً على ذلك يُلغوا أحد أركان الدولة العصرية: البرلمان. من المفترض أن توضع كل التحفظات التي قالها عثمان كبر نصب الأعين، ثم تُصنَع الحلول الملائمة حتى لا يتأجل وجود هذه الهيئة المهمة، التي بدونها تصبح الدولة مثل سيارة منطلقة بلا كوابح.
من الحكمة أن نقرّ بأن الفكر السياسي السوداني في حاجة إلى حرث الأرض وزراعة بذور جديدة لتُثمر ثمارًا مختلفة.
(عثمان ميرغني -حديث المدينة) .



