حرب الفراولة : وقودها الفساد وضحيتها الشرف

الخرطوم : ون كليك نيوز
لم تعد حبة الفراولة في الأسواق السودانية مجرد فاكهة حمراء يانعة تخطف الأنظار، وإنما تحولت إلى “قنبلة موقوتة” ورمز لحرب خفية تدور رحاها في الموانئ والمكاتب الخلفية، وقودها الفساد، وضحيتها التاجر الشريف والمنافسة العادلة.
تبدأ القصة في أروقة الجمارك، حيث لا تسير الأمور وفق اللوائح المعلنة، بل وفق “إيماءات” سماسرة الظل. هناك، في الكواليس، يتحرك “مُخلّص” ذائع الصيت، لا يحمل بضاعة، بل يحمل مفاتيح الأبواب المغلقة. مهمته ليست التخليص الجمركي بمفهومه القانوني، بل “هندسة الأوراق” و”تظبيط” الملفات مع موردين بعينهم. هذا الرجل، الذي بات اسمه يتردد بين التجار، يقف حارساً على بوابة فساد ضخمة، يمنح صكوك الغفران الجمركي لمن يدفع “النسبة المقدرة”، ويترك البقية ليغرقوا في طوفان الرسوم العالية، ما ينعكس عن المستهلك سلباً، في المقام الأول.
المشهد السريالي بدأ بقرار حكومي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب؛ فبعد خروج السودان من مظلة إعفاءات “الكوميسا” بهدف تعظيم إيرادات الدولة، دولة الجبايات، وجد التجار أنفسهم أمام جدار عالٍ من الرسوم. هنا، أطلت: “إتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية”، لتمرير بعض “برادات الفراولة” ولكن، هل طُبقت الاتفاقية على الجميع؟ بالطبع لا.
تحول تطبيق إعفاء الجامعة العربية إلى “شفرة سرية” لا يملكها إلا ذلك السمسار ومن يدور في فلكه. فجأة، ودون أي منشور رسمي من هيئة الجمارك، ودون أي توضيح من شعبة الموردين بالغرفة التجارية، فُتحت ثغرة في الجدار، لكنها ثغرة “انتقائية”. تدخل منها بضائع المحظوظين، بينما يظل الآخرون في العراء.
ما يحدث الآن في سوق الفراولة -وغيرها من الواردات- أقل ما يوصف بأنه جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، ونحن بذلك لا نتحدث عن شطارة تجارية، وإنما تلاعب تلاعب صريح وظالم بمقدرات السوق.
كيف لتاجر يدفع الرسوم كاملة أن ينافس آخر حصل -بطرق ملتوية- على إعفاء خفض تكلفته بنسبة تقارب أحياناً الـ 50%؟ النتيجة الحتمية هي وجود سعرين لنفس المنتج في السوق، التاجر “الواصل” يبيع بسعر يكسر به السوق ويحقق أرباحاً خيالية، بينما التاجر الملتزم يجد بضاعته مكدسة أو يبيعها بخسارة فادحة. هذه ليست منافسة، هذه مذبحة، إن شئت سمها حرب الفراولة، تحت سمع وبصر ومعرفة السلطات، وإن لم تعرف فالمصيبة أعظم.
الخطورة تكمن في غياب الشفافية، إذ لا يوجد قرار “رسمي وعام” بتفعيل إعفاءات الجامعة العربية للجميع، الأمر متروك للمزاجية وللسمسرة، كما أن هذا الغموض المتعمد هو البيئة الخصبة التي ينمو فيها الفساد. الدولة التي خرجت من “الكوميسا” لتزيد إيراداتها، تخسر الآن هذه الإيرادات، لا لصالح المواطن (لأن الأسعار لا تنخفض بالضرورة)، بل لصالح جيوب السماسرة والموظفين المرتشين.
حين يصبح التخليص الجمركي حكراً على فئة “تدفع لتعبر”، تتحول التجارة إلى نادي مغلق. صغار المستوردين والتجار الشرفاء يخرجون من السوق مكرهين، وتتكون “كارتيلات” احتكارية تتحكم في قوت المواطن وفاكهته.
أخيراً، وبما أن العدل في الظلم أرحم من هذه المحاباة الانتقائية، فإنه الأفضل للدولة تعميم نسبة الإعفاء، أو فرض رسوم جمركية على الجميع. وإذا قررت منح إعفاءات عربية، فلتكن حقاً مشاعاً لكل مستورد يحمل أوراقاً سليمة، لا منحة يوزعها “سمسار” في الغرف المظلمة، وهذا الأمر بكل تأكيد يحتاج إلى توضيح رسمي وفوري: هل اتفاقية الجامعة العربية سارية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا لا تُعمم بمنشور واضح للكل؟ وإذا كانت لا، فكيف عبرت تلك الشحنات بتكاليف منخفضة؟
إن استمرار هذا الوضع “الضبابي” هو تكريس لفساد انتقائي يدمر الاقتصاد الوطني ويخلق طبقة من الأثرياء الطفيليين على حساب دماء التجار الشرفاء. أوقفوا حرب الفراولة، واكشفوا الأوراق، قبل أن يفسد المنتج، وبالضرورة ويفسد ما تبقى من ضمير السوق.
(عزمي عبد الرازق) .



