إنهم يضللونك يا برهان !!

الخرطوم : ون كليك نيوز
الذين نصحوا البرهان بأنه يستطيع قياس شعبيته بإستقبال الجماهير عند طوافه في الأسواق والشوارع والميادين، وبإرتفاع الحناجر التي تهتف بحياته ووقوفها خلفه، الذي فعلوا ذلك لا يدركون أنهم يضللونه ويغبّشون عينيه بحيث ترى عكس الحقيقة، فالدواعي التي تُحرك الجماهير شيئ آخر غير التي تتحرك بموجبها أجهزة الدولة ومؤسسات الحكم، فالمواطن العادي الذي تأخذه الغيرة على وطنه بسبب مثل حجب تأشيرة البرهان، يكون في درجة من الإنفعال والحماس تجعله لا يضع أي إعتبار للجوانب الأخرى التي قد تضر بمصلحة الوطن أمام عينيه، ولذلك من الممكن أن تصل به ثورة النفس والهياج بما يجعله يقول دون تفكير بأنه يفضّل أرض بلاده على جنة الفردوس.
وفي هذا تفسير، والصحيح تبرير، لما يتبارى فيه من أصحاب الصفحات والقراء والمُعلقين على الوسائط الرقمية الذين جعلوا من قضية إقصاء البرهان ومنعه من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة وحولوها إلى واقعة إنتصار للوطن، وصوروا أن البرهان بذلك قد وجّه للأمريكان صفعة ولبقية العالم درس لا يُنسى في عزة وكرامة الشعوب، وقالوا أن حضور البرهان للجمعية العامة ليس له أهمية، وأن غيابه أفضل للبلاد بأكثر مما يفعل حضوره، وأن أمريكا لم تضع شروطاً لحضوره وأنه هو الذي وضع الشروط، وفي ذات الوقت هي نفس الأصوات التي تشتم وتلعن في جماعة صمود لكونها السبب في حرمان البرهان من الوصول إلى أمريكا.
وقوف الجماهير خلف البرهان في مثل الظروف التي يعيشها الوطن فيه شبه كبير بالعلاج الذي ينم بدواء “الكورتزون”، وهو دواء يعطي المريض شعور كاذب بالتعافي من أي مرض سواء كان سرطان أو إلتهاب حلق، ويجعله في حالة من الإنتعاش والنشاط، ثم ما تلبث أن تظهر له الحقيقة بعد زوال مفعول الدواء، وتنتكس حالته بأكثر مما كانت قبل تناول الدواء.
ثم أن الهتاف وعناق القائد دواء مجرّب ولا يُخطئ في نتيجته، فإذا كانت جماهيرية البرهان تُقاس بالآلاف، فالنميري كانت تخرج له ملايين، وحينما جاءت لحظة الحقيقة، طلبت أجهزة نظام النميري من الجماهير بالخروج لإثبات إلتفاف الشعب وراء القائد فيما سُمِّيت ب “مسيرة الردع” وفي قول آخر “مليونية أبوساق”، نسبة للدكتور محمد عثمان أبوساق وزير اعلام نظام النميري ومسئول أمانة الفكر والتعبئة بالاتحاد الاشتراكي، وإستحالت إلى مسيرة الردع إلى مسيرة “عشرية” أي من عشرة أشخاص، وكانت السبب في كشف ظهر نظام مايو وسقوطه بثورة أبريل المجيدة بعد ذلك بأيام.
ثم، لا موجب للحديث عن التضليل الذي حدث جراء هتافات التأييد التي كان يحظى بها عمر البشير حتى آخر لقاء جمعه بالجماهير قبل ايام من سقوطه، فتلك وقائع لا تزال متقدة ولم تغب عن ذاكرة أحد بما في ذلك المعني بهذا الحديث.
الواقع أن ما يجري عبارة عن تضليل مزدوج، فنظام البرهان هو الآخر يُضلل الجماهير فينما يشعلل البرهان حماس الجماهير بحديث البطولة والتحدي لأمريكا في ملعب للكرة، يعلن وزير خارجيته عكس ما يقوله البرهان في مؤتمر صحفي ويقول أن حكومته تجاوبت مع مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرامية إلى إنهاء الصراع وتحقيق السلام في السودان.
هذا يكفي، وعلى البرهان أن يعرض عن هذا السلوك الذي يستجيب فيه لتضليل نفسه، ويلتفت لواجبات الدولة في مواجهة الأسباب التي جعلت جميع دول العالم، وليس أمريكا وحدها، تتفق على أن أزمة البلاد لا يمكن حلها بالطريق العسكري، فحضور البرهان أو غيابه من حضور الجمعية العامة هو أضعف حلقات المشكلة التي تواجه السودان، وليلتفت لما يهم الناس فعلاً بأن بعتق رقابهم من حكومة كامل إدريس ووزرائه وولاة الأقاليم، فالشعب يئن من ويلات المعيشة لا من حجب تأشيرة البرهان.
(سيف الدولة حمدناالله) .



