ماذا يحتاج السودان في ذكرى الاستقلال؟

الخرطوم : ون كليك نيوز
في الاول من يناير 1956 رفع السودان علم استقلاله، معلنا نهاية حقبة الاستعمار وبداية عهد يفترض انه يقوم على السيادة الوطنية وحكم الارادة الشعبية. كان المشهد مهيبا، لا لرمزيته فقط، بل لما مثله من وعد تاريخي بدولة حديثة، تحترم انسانها، وتدير اختلافاتها بالحكمة، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
السودان وطن تشكل عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والسياسي، من ممالك كوش ونبتة ومروي، الى الدول والسلطنات الوطنية، وصولا الى الدولة الحديثة. هذا التراكم لم يكن مجرد تاريخ، بل كان راسمالا رمزيا وانسانيا كان يمكن ان يؤسس لدولة راسخة. غير ان ما جرى بعد الاستقلال كشف خللا عميقا في ادارة الدولة لا في قدرات الوطن.
لم يفشل السودان لافتقاره الى الموارد او الانسان، بل لان السلطة فيه ظلت محل صراع لا مشروع بناء. فمنذ الاستقلال، تعاقبت نخب سياسية وعسكرية لم تتعامل مع الدولة بوصفها امانة عامة، بل باعتبارها غنيمة مؤقتة. تغيرت الواجهات، لكن المنهج ظل واحدا: احتكار القرار، تهميش المجتمع، وتقديم البقاء في الحكم على مصلحة الوطن.
اتسعت دائرة السلطة، وتقلصت دائرة الوطن. ومع كل انقسام سياسي كانت مؤسسات الدولة تضعف، ومع كل تسوية قصيرة النظر كان يتم تأجيل الازمة لا حلها. اديرت الخلافات بعقلية الغلبة لا الشراكة، فكانت النتيجة دولة هشة، وسلطة متنازعة، ومجتمع يدفع ثمن اخطاء لم يكن طرفا فيها.
المواطن السوداني لم يكن غائبا عن المشهد، بل كان ضحيته الدائمة. حمل فوق طاقته، وصبر على ما لا يحتمل، ودفع من امنه ومعيشته ومستقبل ابنائه. طلب منه ان يكون وطنيا حين كانت الوطنية تستخدم غطاء للفشل، وان يصمت حين كان الصمت يراكم الازمات نفسها. هكذا جرى استنزاف المجتمع، لا بحكم الضرورة، بل بسوء الادارة وغياب المساءلة.
واليوم، وقد وصلت البلاد الى واحدة من اخطر لحظاتها، لم يعد ممكنا الهروب الى لغة الرموز وحدها. فالوطن يتمزق بفعل صراع سياسي مفتوح، والدولة تفقد وظائفها الاساسية، والمواطن ينزف في حرب لا تعبر عن مصالحه ولا تحمي مستقبله. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي عاجزا عن الاعتراف بجذور الازمة، مكتفيا بتبادل الاتهامات او اعادة انتاج الازمات نفسها.
الاستقلال الذي نحييه اليوم يفرض سؤالا سياسيا مباشرا: هل نملك دولة مستقلة فعلا، ام مجرد علم بلا مضمون مؤسسي؟ فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها، وعن ضبط السلاح، وعن فرض سيادة القانون، هي دولة منقوصة الاستقلال مهما رفعت من شعارات.
الاستقلال الحقيقي لا يكتمل الا بدولة مدنية راشدة، تخضع فيها السلطة للمساءلة، وتدار فيها الموارد بشفافية، وتحمى فيها كرامة الانسان دون تمييز. استقلال يعيد تعريف السياسة باعتبارها خدمة عامة لا ساحة تصفية حسابات، ويضع حدا لدوامة الصراع التي استنزفت الوطن لعقود.
في ذكرى الاستقلال، لا يحتاج السودان الى احتفالات رمزية بقدر ما يحتاج الى شجاعة سياسية تعترف بالاخطاء، وتغلق باب العبث بمصير البلاد. فاما ان يكون الاستقلال مدخلا لبناء دولة تحترم شعبها، واما ان يظل ذكرى سنوية نحييها، بينما الوطن ينزف بصمت، تحت علم يرفرف وحده.
وسيظل هذا العلم عاليا خفاقا، نابضا بمعنى الوطن، شاهدا على شموخ شعب، وكبرياء امة، وارادة لا تخذلها الجراح ولا تنال منها المحن. علما يجسد السودان الذي نحبه ونحلم به، وطنا يحتضن جميع ابنائه، ويحترم تنوعهم، ويمنحهم حقهم الكامل في الكرامة والامان والامل. دولة تقوم على العدل، وتتسع للجميع، ولا تقصي احدا.
بحبك يا سودان العزة.
( دكتور أسامة الفاتح العمري ) .



