بروف حسن : عمق المعرفة ودقة التطبيق

الخرطوم : ون كليك نيوز
الفراق بين الطالب وأستاذه ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسارٍ يحمل فيه الطالب نور ما تعلّمه، ويترك فيه الأستاذ أثراً لا يُمحى في قلبه وعقله.
من المقامات الصعبة التي يقومها الإنسان أن يقف في مقام الحديث مابين الخاص والعام والفكرة وتجسيدها والحقائق وتجلياتها، فحين أردت الحديث عن أستاذي ووالدي العلامة البروفسور حسن أحمد الحسن يوسف لم أجد قلما أمضى من أن أسترسل شهادتي فيه ممتطيا المواقف والأحداث والذكريات لأحاول أن أجد نفسي في مقام الشهادة بالحق دون التأثر كثيرا بخواطر النفس وتحيزات الموقف ، ولعل هذا الأمر يصعب عليّ بادي ذي بدء، فبروفسور حسن قامة علمية ومعرفية، ورجل علاقات عامة وداعية وإعلامي وأكاديمي وقيادي ورجل سوداني وشيخ عرب وأب رحيم، وعلاقتي معه ما بدأت إلا في منتصف تسعينيات القرن الماضي ونحنا طلاب عنده وهو أستاذنا وعميدا لكليتنا في نفس الوقت، ثم امتدت العلاقة لمرحلة الإشراف على بحث الدكتوراة.
لم تكن مسيرةُ بروفسور حسن أحمد الحسن مجرد رحلةٍ أكاديمية تقليدية، بل كانت نموذجاً حيّاً لمعنى الالتزام المهني والصرامة العلمية في حقل الإعلام و العلاقات العامة. فقد جمع في تجربته بين عمق المعرفة ودقة التطبيق، حتى غدا حضوره علامةً فارقة في تشكيل وعي طلابه، وترسيخ مفاهيم المهنة لديهم على أسسٍ من الانضباط والمسؤولية.
لقد آمن – رحمه الله – بأن العلاقات العامة ليست مجرد ممارسات اتصالية عابرة، بل هي رسالة تقوم على بناء الثقة، وصناعة الصورة الذهنية، وإدارة العلاقة مع الجمهور بوعيٍ وإستراتيجية. ومن هذا المنطلق، ظل حريصاً على أن يغرس في طلابه قيم الجدية، والدقة، واحترام المهنة، فكان صارماً في معاييره، لكنه في عمق تلك الصرامة كان يوجّه ويُربي، ويصنع أجيالاً قادرة على حمل الرسالة.
والحمد لله ما انقطع اتصالي به ولآخر أيامه ….وصبيحة اليوم الأربعاء 5ذوالقعدة 1447ه الموافق 22أبريل 2026م هاتفني ابنه المهندس مصعب بأن والدي قد فارق الحياة ،تلعثمت قليلا في الرد لأنه دون شعور مني فُتح ممرا من الذكريات اختلط فيها الخاص بالعام ،سبحان الحي الذي لا يموت… لحظات صعبة في تقبل حقيقة الموت…إنا لله وإنا إليه راجعون …
والحديث عن أي جانب من شخصية البروفسور حسن أحمد الحسن يستدعي كثيرا من المواقف والأحداث التي يعتمد الإنسان فيها على ذاكرته، وسبحان الله كنت في كل اتصالاتي معه أطلب منه أن يوثق لحياته الشخصية والعلمية والعملية وأذكره أن الله قد سخره للعلم ولتخصص الدعوة و الإعلام ولعلم العلاقات العامة تحديدا، وأن طلابه ينتشرون وينشرون العلم ويمتهنون التخصص بعده، وبالتالي فسيرته ليست ملكا له.
بل أن هنالك تفاصيل كثيرة لا يلم بها إلا هو نفسه….فيمازحني بالقول أنه يرجو الثواب فقط من عند الله ..وأحاوره بأنك يا أستاذي علمتنا أن الإعلام يكون بالحق وعن الخير وعن إثبات الفضل لأهله وأن من مبادئ الإتكيت الشكر والثناء الصادق على صانعي المعروف و الوفاء لأهل العطاء…
لذلك لا يُختصر فقدان الأستاذ في كلمات بل يجب أن يكون هنالك عملا توثيقيا متكاملا، لأنّ التوثيق العلمي والمهني لشخصيةٍ أكاديمية بحجم بروفسور حسن أحمد الحسن ليس مجرد عملٍ تأبيني أو استذكارٍ عابر، بل هو ممارسةٌ معرفية ومسؤولية أخلاقية تسهم في حفظ الذاكرة العلمية، وصيانة تراكم الخبرة في مجال الإعلام و العلاقات العامة.و يحمل التوثيق بُعداً إنسانياً عميقاً، إذ يعكس الوفاء لقيمة العلم وأهله، ويُجسّد تقدير المجتمع الأكاديمي لمن أفنوا أعمارهم في التعليم والتوجيه.
وعلى ذكر ذلك أثبت هنا لأستاذنا البروفسور بدر الدين أحمد إبراهيم متعه الله بالصحة والعافية حرصه على التوثيق الإعلامي لأشخاص ومواقف وأذكر أننا كنا نمازحه زمنا وهو يحمل الكاميرا بأنك اشتقت لشبابك الإعلامي في جامعة الخرطوم فيضحك ويقول أنه كلما يحضر جنازة لإنسان من جمهور الناس يرى أن له حكاية إعلامية لم تروى للناس فما بالكم بمن كان حاضرا في حياة الناس وذا أثر واضح، وكذلك أرى في صولات- أستاذنا البروفسور عوض إبراهيم عوض متعه الله بالصحة والعافية –وجولاته الإعلامية أحاديث كثيرة فعلا تستحق أن توثق وتروى للناس، وغيرهم كثير ، ولكني أرى بالنسبة لأستاذتنا وزملاؤنا الأجلاء في المجال الأكاديمي والعلمي أن نبتدئ التوثيق العلمي لهذا العطاء العلمي الثر ، وقد شاءت أقدار الله أن نكون ونفرا كريما ضمن لجنة تأصيل علوم الاتصال بإدارة تأصيل المعرفة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي حتى العام 2018م قد بدأنا في هذا الاتجاه وتبلورت الفكرة وبدأ التنفيذ، لكن لأسباب كثيرة لم تخرج نتائج هذه الأفكار.
وأذكر هنا حديثا تم بيني وبين بروفسور عبد اللطيف عشميق الطبيب والأكاديمي المعروف والمدير الأسبق لجامعة الرباط الوطني أنه كان مشارك في مؤتمر علمي خارج السودان ومعه بروفسور حسن أبو عائشة متعهما الله بالصحة والعافية، وفي فقرة من المؤتمر طُلب من المشاركين في المؤتمر التعريف بأنفسهم …فجاء الدور للبروفسور أبو عائشة الذي قدم لنفسه بطريقة بسيطة ومتواضعة ومختصرة….فأخذ الميكرفون طبيب مصري وقال له بالحرف الواحد “ليه يابيه ليه تزهد في نفسك كدا؟؟؟…” ثم استطرد تقديم سيرة بروفسور أبو عائشة بطريقة مميزة …جعلت بروفسور عشميق يقول أنه أول مرة يسمع فيه معلومات عن زميلة ومدير الجامعة السابق له بروفسور أبو عائشة؛هذا أمر معلوم للجميع أننا في السودان نزهد في أشياءنا ولعل هذا موروث ثقافي مرده للأثر العام للتصوف في نفوس السودانيين….
سيظل بروفسور حسن أحمد الحسن حاضراً بما علّم، وبما غرس، وبما تركه من أثرٍ لا يُقاس بزمن، بل يُقاس بما أحدثه من تحولٍ في الفكر والممارسة. وهنا، تبدأ الحكاية… لا لتؤرّخ الغياب، بل لتؤكد أن الأثر الصادق لا يرحل، وبإذن الله سأعمل جاهدا لتوثيق بعض الجوانب التي أستطيعها في حياة ومسيرة أستاذي بروفسور حسن…
هذه مبادرة نطلقها جميعا من أجل التوثيق العلمي والمهني لمسيرة رجال قدموا الكثير ونشهد لهم بذلك،و ستأتي هذه السلسلة وفاءً لمسيرةٍ امتدت أثراً في العقول قبل القاعات، وفي السلوك قبل النصوص، محاولةً توثيق محطاتٍ من حياته العلمية والمهنية، واستحضار بصماته التي لا تزال حاضرة في وجدان طلابه وزملائه. فهي ليست مجرد استذكار لشخص، بل قراءة في تجربةٍ ثرية، ونموذجٍ يستحق أن يُروى، وأن يُحتذى.
اللهم إن عبدك حسن قد نزل عندك وهو فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه …اللهم اغفر له وأرحمه واجعل كتابه في عليين وألزمنا وأهله وطلابه وزملاؤه وذويه الصبر وحسن الاحتساب …
(دكتور محمد يوسف إبراهيم) .



