مقالات

الخدمة المدنية .. ولغز ال ( 16 % )

الخرطوم  : ون كليك نيوز

 

إذا أردت أن تفهم كيف تُدار الثروات وتُهدر الموارد في زمن الأزمات، فلا تبحث في أروقة الوزارات المكيفة، بل فتش عن لغز الـ 16%!

معادلة رياضية صادمة، لكنها حقيقة تشغيلية كاملة الأركان: الخدمة المدنية تدير محركاتها اليوم بـ 16% فقط من طاقتها البشرية، ورغم ذلك، تتدفق الميزانيات واعتمادات “تسيير الأعمال” بنسبة 100%! 84% من عمال المرفق العام مُستبعدون ومُجمدون قسراً تحت شماعة “ظروف الحرب”، بينما الميزانيات تُسحب وتُصرف حتى آخر جنيه .

القصة لم تعد مجرد ترهل إداري أو عجز عن استيعاب الموظفين المبعدين؛ القصة باتت تتكشف كـ “استثمار في الأزمة”.

إن رفض عودة بقية الهيكل الوظيفي لمؤسساتهم ليس قراراً أمنياً ولا لوجستياً، بل هو قرار مالي بامتياز. حضور الـ 84% يعني شيئاً واحداً يخشاه أباطرة تسيير الأعمال: عودة الرقابة، وتفعيل الدورة المستندية، وتوزيع الموارد بشفافية. عودتهم تعني أن تتوقف المهرجانات المالية المسكوبة تحت مسميات “حوافز إدارة الأزمة”، و”بدلات المخاطر”، و”النثريات الطارئة” التي تستأثر بها الفئة القليلة القريبة من أزرار القرار.

لماذا يسكت مدراء المؤسسات؟ ومن المستفيد من إيقاف دولاب الدولة؟

إن هذا الشلل لا يجري في الخفاء، بل برعاية وتغاضٍ كاملين من أعلى هرم السلطة إلى أصغر مكتب مدير عام:

بيزنس “الاستثناء”: في غياب الشفافية، يتحول مدير المؤسسة من موظف دولة إلى “آمر صرف مطلق”. السكوت هنا ليس مجاناً، بل هو مقابل الاقتطاع المباشر من ميزانيات التسيير والحوافز الاستثنائية للجان الوهمية.

إدارة الدولة بالنفعية: صمت القيادة العليا ليس عجزاً عن الرؤية، بل استراتيجية تضمن ولاء المجموعات القليلة المسيطرة، وتمنع تشكّل كتل بشرية وظيفية داخل المؤسسات تطالب بالحقوق والمحاسبة.

تغييب شهود العيان: الموظف المُستبعد هو رقيب ومحاسب بطبعه. عودته تعني كشف الهدر ومساءلة القيادات عن أصول المؤسسات وميزانياتها التي تبخرت.

إن ما يحدث في أروقة الخدمة المدنية اليوم تجاوز حدود الفساد الإداري التقليدي ليلامس سقف “التخريب العمدي لركائز الدولة”. لم يعد هناك مجال للاختباء خلف “شماعة الحرب”؛ فالأزمة لم تعد سبباً في هذا الشلل، بل أصبحت الغطاء والبيزنس والأداة المثالية لنهب المال العام بلغة “استثنائية” حاسمة.

السكوت المستمر من مدراء المؤسسات ليس غفلة، ورعاية القيادة هذا المشهد ليست خطأً تقنياً، بل هي شراكة منافع يُباع فيها المرفق العام بفتات الحوافز، ويُضحى فيها بالمواطن والموظف لحماية شبكة مصالح ضيقة تخشى الضوء والدورة المستندية الشفافة.

إن إيقاف دولاب الدولة وإبعاد شرفاء الخدمة المدنية لن يصنع استقراراً، بل يكتب بماء الفساد وثيقة إفلاس إداري وأخلاقي شامل. وإلى كل من يتكسب اليوم من عتمة الأزمة ويظن أن مفاتيح الخزينة ستظل حكراً عليه: الوطن لن يبنيه سماسرة الأزمات، والتاريخ الإداري لن يرحم سادة الـ 16% الذين استثمروا في أنقاض مؤسساتهم!

( حمد يوسف حمد ) .

 

 

 

 

 

قناتنا على الواتساب إنضم الآن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى