إستقالة رباح : إمتحان لجامعة الخرطوم

الخرطوم : ون كليك نيوز
جامعة الخرطوم واحدة من أعرق المؤسسات السودانية، يفخر بها الشعب السوداني لكونها منارة سامقة على مر التاريخ. يوم الأربعاء الماضي 7 يناير 2026، تعرضت الجامعة لزلزال كبير باستقالة أمين الشؤون العلمية البروفيسور علي عبدالرحمن رباح، ونشره حيثيات في غاية الخطورة تكشف عن شبهة/محاولة اختراق للسجل الأكاديمي من أطراف – لم يسمها – وقضايا تزوير شهادات الجامعة.
كانت تلك هي الرصاصة الأولى، فعلى الفور بدأ «التدوين» المضاد؛ صدر بيان من جامعة الخرطوم، وآخر من وزارة التعليم العالي، وثالث من مجلس الجامعة، ورابع من رابطة الخريجين، وخامس من بعض الخريجين، بالإضافة إلى مقطع تسجيل صوتي للبروفيسور محمد الأمين التوم وزير التربية والتعليم الأسبق. وبات الأمر حديث المجتمع السوداني في الداخل والخارج، وغرق الجميع في طوفان من التحليل والأخذ والرد.
السمة الغالبة لهذا السجال الواسع هي الانقسام – كالعادة – إلى فريقين متواجهين: فريق مع البروفيسور علي رباح، وآخر ضده. انتبه جيدًا لتعبيري هنا: مع أو ضد أمين الشؤون العلمية.
لكن جهة أخرى اختارت الأسلوب العتيق: اغتيال الشخصية. فأغرقت وسائل التواصل برسائل تتنوع في الأسلوب وتتفق في توجيه اتهام للبروفيسور رباح بالتعاون مع التمرد، إلى درجة ترشيحه لشغل منصب تنفيذي مديرًا لشركة بترولية. وأنه ما استقال وفجر الاتهامات إلا لأنه اتبع المثل الشعبي: «يا رايح كتر من الفضايح». للأسف، أسلوب قديم مستهلك يحول المسألة من سياقها الأكاديمي المحدد إلى صراع سياسي.
خلاصة المعركة أنها فجرت مواجهات تحمل خلفيات سياسية. البعض اعتبرها فرصة لتجديد إدانة النظام السابق، والبعض الآخر – ممن يُفهم أنهم موالون للنظام السابق – نزلوا الخنادق واتبعوا المثل المعروف: «الهجوم خير وسيلة للدفاع».
وبين الفسطاطين.. غبار كثيف لم يجب على السؤال المباشر: هل صحيح هناك وقائع تزوير وتلاعب في السجلات الأكاديمية للجامعة؟
وبما أنها جامعة الخرطوم – فخر السودان وشعبه – فإن الأمر – في تقديري – يخرج تمامًا عن الإجابة المباشرة بـ«لا» أو «نعم» وسرد الحيثيات المؤيدة للحكم.
الشعب يريد أن يشاهد ويسمع كيف تدير المؤسسة الأرقى في البلاد هذه المشكلة. تمامًا كما كنا مطالبين ونحن تلاميذ في التعليم العام، عند حل مسائل الرياضيات، ألا نضع الإجابة النهائية وحدها، بل نشرح الخطوات المفضية إليها.
إذا كانت الإجابة لمسألة رياضية هي الرقم «100»، وكتب الطالب في كراسته الإجابة مباشرة في سطر واحد، فإنه يفقد الدرجات رغم أن الإجابة صحيحة.. فالمطلوب ليس مجرد الإجابة النهائية، بل الطريقة التي توصل إليها.
الشعب لا يريد حكمًا مع أو ضد أمين الشؤون العلمية وما ساقه من اتهامات. بل يريد أن يرى كيف تدير جامعة الخرطوم هذه الأزمة وتصل إلى الحل النهائي للمسألة.
قرأت قرارًا من مجلس الوزراء بتكوين لجنة للتحقيق حدد لها أسبوعًا واحدًا لرفع خلاصاتها. لكن بيان مجلس جامعة الخرطوم طالب الإدارة بتكوين لجنة تحقيق من شخصيات ذات سمعة ومصداقية، واقترح بعض الأسماء.
هنا يبرز السؤال: هل تتولى جامعة الخرطوم إبراز المثل الأعلى في إدارة أزمتها بنفسها بعيدًا عن مجلس الوزراء، ثم تقدم أوراقها للشعب السوداني؟ أم تغني مع محمد وردي: «حليل الكان بهدي الغير صبح محتار يكوس هداي»؟ إنه امتحان حقيقي لجامعة الخرطوم .
حديث المدينة للأستاذ عثمان ميرغني .



