ويبقى السؤال.. من حطّم أجنحة سودانير ؟

الخرطوم : ون كليك نيوز
نهار الأحد، حين أعلن رئيس الوزراء كامل إدريس استعادة الخطوط الجوية السودانية، سودانير، لخط هيثرو في العاصمة البريطانية لندن، بدا الخبر كأنه ومضة ضوء في نفق طويل. هيثرو ليس محض مطار، بل شهادة حياة، من يفقده يفقد أكثر من وجهة، ومن يستعيده يُعلن – نظرياً على الأقل – أنه ما زال موجوداً في غلاف الكوكب العنيد، لكن ما إن خفت صدى التصفيق، حتى تسلل السؤال الثقيل: كيف يعود، عاد، خط بهذا الوزن، وسودانير بالكاد تقف على قدم واحدة؟ تلك التي هبطت أمس في مطار الخرطوم الدولي، وأسعدت ” البلابسة”
هيثرو مرة واحدة؟ نعم، كيف حدث ذلك؟ لا توجد تفاصيل، ولكنه بالعودة يمكن الوصول للأشخاص الذين باعوا خط هيثرو، لا بد أنكم تذكرونهم جيداً، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من برأته المحكمة، وضاع الأمر ما بين إفراط وتفريط، المهم في القضية أن خط هيثرو_ العائد لتوه_ لا يجب أن يصرفنا عن الجهات المستفيدة من غياب الناقل الوطني، أو تغيبه للدقة، ولا تزال، مع التأكيد على أن العهد الجديد، مرحلة البناء والإعمار، تحتاج انتظاماً صارماً، واحتياطي أسطول، على قدر الحال، وإدارة تعرف السوق قبل المكاسب الشخصية.
حسنا، لتفرح قليلاً بتحليق طائر النيلين الحزين ونغني له ” كان تعب منك جنك في السرعة زيد” لكن في الحقيقة، بينما السماء نفسها كانت، طوال سنوات غياب سودانير، مفتوحة على مصراعيها لآخرين.
في هذا الفراغ العريض، لم تبقَ الأجواء خالية، على العكس، ازدحمت، تقدمت شركات الطيران الخاصة المحلية، تاركو وبدر، ليس ثمة صدفة. ملأت المسارات التي كانت يوماً تحمل هوية البلاد، وعلمها القديم، الذي اقترح رئيس مجلس السيادة البرهان عودته بالفعل، لم تهبطا من فراغ، بل صعدتا في بيئة سياسية واحدة، وتحت ذات الظروف التي قيل إنّها تخنق سودانير. نجحتا، نعم، لكن نجاحهما جاء في سوق مختل، بلا ناقل وطني يكسر السعر أو يفرض التوازن. ومع مرور الوقت، تحوّل الغياب إلى فرصة، وارتفعت أسعار التذاكر، وبقي المواطن بلا خيار حقيقي.. أنظر فقط لأخر تذكرة عودة للخرطوم، وقارنها بأسعار بدر وتاركو التي لا ترحم، سوف تموت من الغيظ.
خارج الحدود، كان المشهد أكثر وضوحاً، الخطوط الإثيوبية، السعودية، طيران ناس، القطرية، الإماراتية، والمصرية، وجدت سماء السودان مشرعة. مُنحت سعات تشغيلية، وحقوق نقل، وموطئ قدم مستقر، بينما كان الناقل الوطني يُصارع للبقاء. باسم “الأجواء المفتوحة” فُتحت الأبواب للجميع، إلا لصاحب الدار، الذي قُصّ ريشه ثم طُلب منه أن ينافس، أن يطير، لو يستطيع!
وسط هذا كله، ظل سؤال قديم بلا إجابة يطفو كلما ذُكرت سودانير: ماذا فعلت الشركة بقرض بنك أم درمان الوطني، الذي مُنح لها في أيام عافية الاقتصاد السوداني؟ القرض لم يأتِ زمن حرب ولا انهيار شامل. ومع ذلك، لم يظهر في شكل طائرة، ولا محرك، ولا حتى خطة إنقاذ واضحة، اختفى في دهاليز الشركات الحكومية، كما تختفي الأسئلة المزعجة، ثم أُغلق الملف، كالعادة.
من داخل غرف القرار نفسها، من أعضاء مجالس إدارات ولجان تحقيق عايشوا ملف الخصخصة وانتقال غالب الأسهم إلى شركة عارف الكويتية، يخرج الحكم قاسياً ومباشراً: لو أن السودان أنفق ملء الأرض ذهباً على سودانير، لما صارت أفضل مما هي عليه الآن، ما دامت تُدار بالعقلية ذاتها. هنا تتبدد أسطورة “نقص الطائرات”، وتظهر الحقيقة العارية: المشكلة في الإدارة قبل الأسطول.
الطائرات، في عالم الطيران، يمكن الحصول عليها، ثمة استئجار وهو ليس معجزة بالمناسبة، والشراء ليس مستحيلًا متى ما وُجدت رؤية، طن ذهب واحد يكفي، وقد كانت هناك دراسة مكتملة، تتحدث عن الوصول إلى خمسٍ وعشرين طائرة عبر ثلاث مراحل مدروسة، وُضعت على طاولة مسؤول كبير في الدولة، ثم ابتلعها الصمت.
بكل تأكيد، البلاد لا تعاني من نقص الأفكار، وإنما من غياب القرار، كل خطة مهمة، أو رؤية لتطوير القطاع الحكومي. ينتهي بها الحال، حبيسة الأدارج.
الدولة نفسها لعبت دورها الكامل في هذا التآكل، استهلكت سودانير في الرحلات السيادية والطوارئ، ثم طالبتها بأن تكون شركة ربحية في سوق مفتوح بلا حماية. لم تعفها من الرسوم، لم يتم تسوية ديونها، ولم تتعامل معها كأداة سيادة، مع أن جوهر الناقل الوطني، في كل دول العالم، يخدم المصلحة العامة حتى حين لا يربح، ويشغّل الخطوط التي لا تغري القطاع الخاص.
اليوم، حين يُعاد الحديث عن هيثرو، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نحب سودانير، أم ماذا نريد منها؟ فاستعادة الخط، والعودة للأجواء، دون إدارة جديدة، ودون شراكات ذكية، ودون أسطول يُستعاد بالاستئجار المرحلي، لن تكون سوى إعادة إنتاج للفشل في صورة إعلان، ربما كانت هذه خلاصة قاسية، لكنها الحقيقة، بالرغم من أنه لا أحد يمتلك الحقيقة على نحوٍ كامل ونهائي.
غياب سودانير كان مريحاً لكثيرين، بدر وتاركو تحديداً، ومجالس إدارتهم التي كنزت الأموال، دون حسيب ولا رقيب! مريحاً أيضاً للسوق الذي خلا من كاسر أسعار، ومريحاً للدولة التي لم تُحاسَب، ومريحاً للملفات التي بقيت مغلقة. أما عودتها الحقيقية، فهي ليست طائرة تهبط في هيثرو، بل شجاعة مواجهة السؤال الأصعب: من الذي وجد الأجواء خالية، ومن الذي تركها كذلك، ولماذا؟
(عزمي عبد الرازق) .



