مقالات

حنين علم الدين .. وأمنية بلا ميعاد

الخرطوم  : ون كليك نيوز

الناس بطبيعتهم مختلفون في مشاعرهم وعواطفهم تجاه الامكنة والبعاد والناس . بعض الناس على شاكلة من المودة والتعاطف يفوقون غيرهم في مثل هذه المشاعر .

الحقيقة انني لم ارى توقا وشوقا جارفا للسودان بهذا القدر الذي يملكه هذا الرجل الصوفي الشفيف .

هذا الرجل في اعماقه حنين جارف للرفاق والزملاء والامكنة والوطن عموما .. وبصورة ادق له توق خاص للاذاعة السودانية والعاملين فيها وممراتها ودهاليزها واستديوهاتها .

نحن في هذه البلاد .. نعيش بعيدين عن ديارنا واهلينا .. فارقنا الوطن والامكنة والخلان والاهل بسبب الحرب.

في دواخلنا مبررات كثيرة نسوقها لانفسنا تبريرا لهذا البعاد عن الوطن .  بين طيات هذه المبررات نجد السلوى والصبر واليقين .. نصابر تارة ونتصابر تارات أخر . لكنه على نحو مختلف من كل هذا .. إذ كلما هاتفته او التقيته أجد بين طيات عباراته بعض العبارات التي احس فيها حرارة هذا التوق المحبوس في دواخله .

(لمتين ؟؟.. (ماقربنا؟؟) .. (الرجعة ماقربت ؟؟) كلها كلمات ودلالات في دواخلنا ولا نبوح بها .. لكنه يجاهر بها كلما التقيته . هذا في تقديري حنين فياض ونفس زاكية واحساس مرهف للأمكنة والناس والوطن .

هو في الحقيقة غير قادر على حبس مشاعره .. فهو رغم صخب هذه المدينة لا يحس بالانتماء إليها .. ولايحس بأنها الحاضنة التي ألفها .. لذلك يظل تواقا للعودة والاوبة رغم ان الايام والشهور بل السنوات قد مرت وهو يعدها عدا .. هو يعتصرها ويعايشها ويجترها مع كل مشهد يراه في التلفاز او جاء في كلام عابر بين الزوار والاهل .. وكأنني اراه يعيش هناك بروحه . الرجل مافتيء يذكرُ الزملاء ويسأل عنهم .. وكلما علم بخبر يتعلق بزميل او جار او صديق تجده متأثرا للحد الذي يجعله يحبس دموعه . ديدن المبدعين المخلصين انهم على هذه الشاكلة من الاحاسيس والمشاعر الدفاقة .. تهزهم الاحداث هزا .. ويؤلمهم هذا البعاد الذي طال .

علم الدين حامد خرباش ذلكم المذيع الرائع الذي دخل البيوت عبر الاثير .. من خلال اروع البرامج التي قدمها في زمانات السعة والاختيار .

انه ذلكم الصوفي المتوهج الذي تملأ جوانحه المشاعر وتتنازعه الاشواق للوطن وهو يغالب ذاته للبقاء هنا.

يغالب كذلك دموعه ويصبر ذاته للمكوث والتعايش .. رغم ان هناك عائلات من اهله ومجموعات من الاصدقاء والزملاء حوله .. لكنه بين كل هذا في شوق جارف للاندياح ولقاء الاحبة والاصحاب في ربوع الوطن الحبيب .

رغم ان مصر ليست بغريبة عليه .. فقد درس فيها .. وله فيها ذكريات ونفحات .. لكنه الان يعلم ان ظروفه فيها ليست على ذلك النحو .. وهو هنا مكره للمكوث حتى تنجلي تبعات الحرب التي مرت علينا .

قبل شهر او يزيد لبينا دعوته لحضور زوج ابنه (حامد) بالقاهرة .. هذا الحفل الذي امه لفيف من الاهل والاحباب والمعارف والزملاء وكان الرجل يطوف بينهم بالترحاب ودموعه تتحدر من عينيه حنينا .. يصافح الجميع وكانه احس بالحياة في وجوههم .. وكأن صاله الفرح قد اعادته الى (صالة العرض) التي قدم فيها روائعه ..

امتلأت جوانحه بفيض من المشاعر وهو محاط بدفء الأهل ومودتهم وتطويق الحاضرين .

ظل الرجل يقول : نحن لم نغادر الوطن الا مكرهين وكنا نحسبها ايام ونعود .. اذ لم نكن نتخيل يوما ان نغادر الوطن او ان تغيب شمس الطمأنينة التي فيه .

ان احاسيس الغربة تأكل اجسادنا وتقتات منا .. وترسم في دواخلنا شروخا وخدوشا غائرة قد لاتندمل ..

البيوت التي كان يعرف تفاصيلها .. لم يكن يظن انه سيفارقها .. وسيملأ جوفها الصدى .

الرجل يدرك أن الزمن لن يتوقف .. لكن الوطن سيظل في انتظارنا .. فهناك الموردة .. مسجد السادة الادارسة .. بوابة عبد القيوم .. الاذاعة صوت الجميع .

ان كل ما يتمناه الرجل هو شعور بسيط .. هو أن يستيقظ صباحًا في مكان لا يحتاج فيه أن يشرح من هو.

يخرج من داره فيجد وجوها يألفها وتألفه .. يلقى السلام والمودة والسؤال عنه والاهل .

هناك حيث كل البيوت بيته وكل الناس اهله .. هناك حيث الطمأنينة التي تأتي بلا سبب.

هناك اناس تحملهم الظروف بعيدًا عن أوطانهم .. لكن أوطانهم تبقى فيهم .. يجدون الوطن في نبرة الصوت .. وفي وجوه تطوف حولهم .

هو رجل مرهف الحس .. يرى الأشياء غير مرائي الآخرين.

علم الدين حامد ظلت روحه نافذة تطل على الوطن من خلال صوت الاذاعة السودانية.

هو رجل تتنازع في دواخله دفقات الحنين وصلوات الساده الادارسة .. وصوت الأذان .. وكل مايسمعه يعيده إلى شوارع يعرف حجاراتها .. وإلى كل بيتٍ كان يمر بجواره .. وقد ترك فيه اثرا من ذاته وقلبه.

الرجل أضناه البعاد .. ليس لأن الغربة قاسية .. بل لأن الإنسان المرهف حين يغادر موطنه يكتشف أن الوطن ليس مكانًا يسكنه .. بل هو الذي يسكننا.

هو رجل كان يمضي أيامه بين الناس .. فيبتسم لهم يتحدث اليهم ومعهم .. يتفقدهم ويتفقدونه .

الآن مهما يكن الحال يبدو لمن حوله انه بألف خير وعافية .. لكن في داخله شيء مفقود .. فكلما حاول أن يعايش واقعه يغالبه الحنين ليقول له ان هناك أشياء لا تُنسى فتؤلمه. انه يحتاج إلى صوت كان يسمعه دون موعد .. وإلى جلسات بسيطة لم يكن يعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت مجرد ذكرى.

في هذه الغربة يقول الرجل .. تتغير قيمة التفاصيل حيث يصبح مجرد شرب كوب من الشاي مع الاهل والاحباب يذكرنا بالوطن .. فحتى الضحكة لها اثر .. أغنية قديمة تمر بالخاطر يراها رسالة من الماضي .. ومجرد صورة في الهاتف قادرة على هز اوصالنا . ظل يقول في سره : (سأعود يومًا) لكل الامكنة التي عهدتها .. لكنه في حقيقة الامر لم يكن يعرف هل كان يقصد العودة إلى الوطن أم العودة إلى ذاته المبعثرة.

البعاد الطويل لا يُبعد الإنسان عن وطنه فقط .. بل يحاول ان يمحو جدران الذاكرة الحية .. وهو رجل يجاهد الا ينسى لانه ان نسي فانه سيفقد ذاته ويصبح مجرد (رقم وطني) في سجلات الوطن . نحن نتوق لان نضحك دون حساب .. وننام دون قلق .. ونجد في الاقربين طمأنينة لا نجدها في كل بقاع الدنيا.

الرجال لا تُنهكهم الغربة .. إنما ينهكم طول الانتظار .. فهم لا يريدون للعودة ان تصبح مجرد أمنية بلا ميعاد .

صلاح محمد عبد الدائم ( شكوكو) .

 

 

 

 

 

 

 

.

قناتنا على الواتساب إنضم الآن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى