من أوجاع الحرب .. سارة وتالين دموع وأنين

الخرطوم : ون كليك نيوز
عادت “سارة” بعد ثلاث سنوات إلى مدرستها في أحد أحياء الخرطوم.. الشوق يسبق خطواتها وتزاحم قلبها أسئلةٌ بريئة: هل ما زالت الجدران تحفظ رسوماتها والمقاعد تتذكر اسمها؟
في الليلة التي سبقت عودتها لم يغمض لها جفن…فرح طفولي يلون عينيها وأرق ثقيل يعبث بقلبها دون سبب واضح.
في الصباح ربطت جدائل شعرها وحزمت مشاعرها لتلقي بها دفعة واحدة في حضن صديقتها العزيزة “تالين”.
عندما دلفت إلى المدرسة أحست صعقا كهربائيا يسري في أوصالها… وكانت خطواتها تتراوح بين فرح وخوف.. فرح العودة لمدرستها وصديقاتها وطابور الصباح ونشيد العلم.. وخوف غامض لا تعرف له تفسيرا لكن قلبها كان ينبض به بإلحاح.
دخلت الصف… تلفتت يمنة ويسرة تبحث عن صديقتها “تالين”. مقعدها فارغ.. أقنعت نفسها مؤقتا أنها ربما تأخرت في الطريق.
ألقت المعلمة السلام على طالباتها بصوت مثقل ومتحشرج وانحدرت من عينيها دمعة كفكفتها بطرف ثوبها الأبيض، عندها ارتفع منسوب القلق في قلب الصغيرة سارة لأنها لم تعهد معلمتها بهذا الوجه الحزين خاصة وأنها في بداية أول يوم دراسي..
تقدمت المعلمة بخطوات متثاقلة ولسان متلعثم تروي الحكاية…
في مايو من عام أربعة وعشرين حين داهم الجنجويد الحي الذي تسكنه “تالين” قررت أسرتها الرحيل على عجل خوفا على حياتهم رغم أن تالين كانت تعاني من حمى أنهكت جسدها الصغير.
كان ذلك اليوم أشبه بيوم القيامة… الناس فروا بما عليهم من ملابس وتركوا بيوتهم مفتوحة الأبواب.. ولا شيء سوى دخان وصراخ وقلوب تتداعى.
قطعت الأسرة مسافة طويلة مشيا على الأقدام.. وعند طرف المدينة استظلوا بجدار من هجير الصيف الحارق يومها.. وفي الأفق فراغ عريض وقاس لا يشبه الحياة.
ضغطت المعلمة على أضراسها كأنها تلوك حنظلا وواصلت قائلة :
مع الجوع والعطش والرعب وغياب الدواء انهارت تالين.. وفي لحظة انسكبت فيها كل قطرات الوجع والألم أسلمت تالين روحها بهدوء بين ذراعي أمها التي لم تملك حينها سوى الدموع.
لم تُكمل المعلمة حديثها وانفجرت سارة بالبكاء ومعها الصف كله.
بكاء تحول إلى نواح من صغيرات لم يعرفن بعد معنى الموت لكن الحرب لقّنتهن الدرس مبكرا.
دخلت الحرب الصف وجلست في المقعد الفارغ وتركت للصغيرات وجعا أكبر من أعمارهن وذكريات مريرة ستشيخ معهن ذلك لأن الحرب قررت أن تبدأ بالضعفاء..
(الزبير نايل ) .



