مقالات

بروباغندا جبريل إبراهيم وتفنيد السفير المقلي

الخرطوم  : ون كليك نيوز

 

بين البريق الإعلامي الذي تحاول وزارة المالية إشاعته، والحقائق والوثائق التي تعكس واقع الحال، يبرز مشهد متناقض يجسد المحاولات المستميتة لوزير المالية، الدكتور جبريل إبراهيم، لتسويق نجاحات وهمية في محفل إقليمي لم يعد للسودان فيه ثقل يُذكر. إن الرواية التي نسجتها وزارة المالية حول مشاركة الوزير في اجتماعات منظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ في بروكسل، وما صاحبها من ضجيج حول إعفاء السودان من كامل مديونيته البالغة مليون دولار، لا تعدو كونها قشرة دعائية رقيقة سرعان ما تتبدد أمام المشرط التحليلي والدبلوماسي الرصين الذي أشهرته قراءة السفير الصادق المقلي لتفنيد هذه الادعاءات بالبراهين والوقائع التاريخية والقانونية.

تتبنى وزارة المالية خطاباً تضخيمياً يصور الوزير في ثوب المنقذ والدبلوماسي الاقتصادي الناجح، الذي استطاع بجهوده نيل تعاطف المنظمة ودعمها، متجاهلة عمداً الطبيعة الهيكلية للمنظمة ذاتها وسياق السودان المعزول فيها. هذا الخطاب الحكومي يستهدف، بالدرجة الأولى، الاستهلاك المحلي، وصناعة نصر زائف لوزير يتآكل رصيده السياسي والاقتصادي يوماً بعد يوم، عبر الإيحاء بأن السودان ما زال رقماً فاعلاً في الساحة الدولية، وأن المديونيات تسقط لمجرد حضور الوزير ومخاطبته للاجتماعات.

في المقابل، يأتي تفنيد السفير الصادق المقلي ليعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، كاشفاً بالدليل القاطع أن هذه المديونية المزعومة ليست قروضاً تنموية أو ديوناً سيادية بالمعنى المتعارف عليه، وإنما هي مجرد اشتراكات ومساهمات تسييرية متراكمة للأمانة العامة للمنظمة في بروكسل، عجز السودان عن دفعها منذ تجميد وعزل عضويته في العام 2010. ويوضح المقلي أن هذه المنظمة ليست جهة مقرضة أو مانحة للتمويل، بل هي إطار للشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وأن جوهر الأزمة يكمن في رفض السودان السابق لتعديلات اتفاقية كوتونو المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والمحكمة الجنائية الدولية، مما حرم البلاد من دعم الصندوق الأوروبي للتنمية، الذي كانت استحقاقات السودان المجمدة فيه تفوق 400 مليون يورو. وبما أن السودان يشارك بصفة مراقب فقط، فإن قدرته القانونية على صياغة القرارات أو التصويت عليها منعدمة، وتظل التوصيات معلقة بموافقة الاجتماع الوزاري المشترك مع الاتحاد الأوروبي، الذي يقاطع الحكومة الحالية أساساً.

إن هذا التباين الشاسع بين ادعاءات الوزارة وتشريح السفير يسلط الضوء على الخلاصة الحقيقية والدافع الكامن وراء تحركات جبريل إبراهيم؛ فالوزير يحاول، يائساً، إيجاد أي سانحة أو قشة دبلوماسية لتحسين صورته المشوهة أمام الرأي العام السوداني والمجتمع الدولي. وتأتي هذه المحاولات التجميلية في وقت يعيش فيه الاقتصاد السوداني حالة من التهالك الشامل والانهيار المتسارع، تحت وطأة تدهور تاريخي ومرعب لسعر صرف الجنيه السوداني، وسياسات اقتصادية طاحنة انتهجها الوزير نفسه، قائمة على الجبايات الباهظة، وزيادة ضريبة الدخل الجمركي، وفرض الرسوم والضرائب التعسفية حتى على المدخلات الحيوية، مثل معدات الطاقة الشمسية التي يلوذ بها المواطن هرباً من انهيار قطاع الكهرباء.

ولا تنفصل هذه البروباغندا الحكومية عن الواقع السياسي الخانق الذي يحيط بشخص الدكتور جبريل، الذي يواجه ملاحقات دولية وعقوبات فُرضت عليه بسبب دوره ومساهمة حركته في تأجيج الصراع المسلح المستمر في البلاد واصطفافه الحربي. هذه الحرب، التي يشكل الوزير أحد أركان استمرارها، هي ذاتها السبب الأساسي الذي دمر البنية التحتية، وقضى على قطاعات الإنتاج، وأضعف الاقتصاد السوداني ليدخل في غيبوبة غير مسبوقة. وهكذا، يصبح الحديث عن إعفاء اشتراك سنوي ضئيل في منظمة إقليمية، ومحاولة تصويره كإنجاز تاريخي، مجرد غطاء سياسي مفضوح يخفي وراءه الفشل في إدارة الاقتصاد، والعزلة الدولية، والمسؤولية المباشرة عن حرب أحرقت الأخضر واليابس في السودان.

( أشرف عبد العزيز  ) .

 

 

 

 

 

 

 

إنضم الآن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى